الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

214

طريق الوصول إلى مهمات علم الأصول ( أصول الفقه بأسلوب حديث و آراء جديدة )

والكلام في الوضع وحكم العقل أو العقلاء نفس ما مرّ من الكلام في مادّة الأمر ، فإنّا لا نرى في استعمال صيغة الأمر في الندب عناية ولا رعاية علاقة من علاقات المجاز ، ففي قوله تعالى : « أَحسِنْ كَما أَحسَنَ اللَّهُ إلَيكَ » « 1 » لا يصحّ سلب معنى الأمر منه وجداناً ، فلا يصحّ أن يقال : إنّه ليس بأمر مع أنّ المجازية تستلزم صحّة السلب . كما أنّ حكم العقل أو العقلاء بوجوب الانبعاث في مقابل مطلق بعث المولى أوّل الكلام ، فإنّ وجوب الانبعاث أو استحبابه متفرّع على كيفية إرادة المولى واستعماله لصيغة الأمر ، فإن استعملها في الوجوب يحكم العقل أو العقلاء بوجوب الانبعاث وإن استعملها في الندب يحكمان باستحبابه ، فوجوب الإطاعة والعمل على وفق مراد المولى مسلّم ، إنّما الكلام في مراد المولى من أمره . فالحقّ أن يقال : إنّ صيغة الأمر تدعو إلى إيجاد الفعل في الخارج من دون أن يتطرّق إليه احتمال جواز الترك ، أي أنّ طبيعة الطلب لا يتطرّق إليها الإذن في الترك فهي بظاهرها تقتضي الانبعاث ، ولا سبيل لعدم الانبعاث إليها ما لم يصرّح المولى الآمر بالترخيص فتنصرف حينئذٍ إلى الوجوب واللزوم . فظهر أنّ منشأ انصراف صيغة الأمر إلى الوجوب ودلالتها عليه إنّما هو طبيعة الطلب الظاهرة في سدّ جميع أبواب عدم الطلب فيها ، وإن هو إلّانظير الدفع باليد نحو الخروج ، فإذا دفعتَ انساناً بيدك نحو الخروج لا مجال فيه لاحتمال استحبابه وجواز تركه ، وكذا البعث بصيغة الأمر كقولك : « اخرج » فإنّه كالبعث التكويني ، أي الدفع باليد . الجهة الثالثة : في الجمل الخبريّة

--> ( 1 ) . سورة القصص ، الآية 77